الشوكاني
154
نيل الأوطار
الضيق ، وإيجاب أحدهما فيه ضيق ، وأيضا لو كان الدم واجبا لبينه صلى الله عليه وآله وسلم ، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ، وبهذا يندفع ما قاله الطحاوي من أن الرخصة مختصة بمن كان جاهلا أو ناسيا لا من كان عامدا فعليه الفدية . قال الطبري : لم يسقط النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحرج إلا وقد أجزأ الفعل ، إذ لو لم يجزئ لامره بالإعادة لأن الجهل والنسيان لا يضيعان غير إثم الحكم الذي يلزمه في الحج كما لو ترك الرمي ونحوه ، فإنه لا يأثم بتركه ناسيا أو جاهلا لكن يجب عليه الإعادة . قال : والعجب ممن يحمل قوله ولا حرج على نفي الاثم فقط ، ثم يخص ذلك ببعض الأمور دون بعض ، فإن كان الترتيب واجبا يجب بتركه دم فليكن في الجميع ، وإلا فما وجه تخصيص بعض دون بعض من تعميم الشارع الجميع بنفي الحرج انتهى . وذهب بعضهم إلى تخصيص الرخصة بالناسي والجاهل دون العامد ، واستدل على ذلك بقوله في حديث ابن عمرو : فما سمعته يومئذ يسأل عن أمر ينسى أو يجهل الخ . وبقوله في رواية للشيخين من حديثه : أن رجلا قال له صلى الله عليه وآله وسلم لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي ، فقال : ارم ولا حرج وذهب أحمد إلى التخصيص المذكور ، كما حكى ذلك عنه الأثرم ، وقد قوى ذلك ابن دقيق العيد فقال ما قاله أحمد قوي من جهة أن الدليل دل على وجوب اتباع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في الحج بقوله : خذوا عني مناسككم وهذه الأحاديث المرخصة في تقديم ما وقع عنه تأخيره قد قرنت بقول السائل : لم أشعر ، فيختص هذا الحكم بهذه الحالة ، وتبقى صورة العمد على أصل وجوب الاتباع في الحج ، وأيضا الحكم إذا رتب على وصف يمكن أن يكون معتبرا لم يجز اطراحه ، ولا شك أن عدم الشعور مناسب لعدم المؤاخذة وقد علق به الحكم ، فلا يجوز اطراحه بإلحاق العمد به إذ لا يساويه . وأما التمسك بقول الراوي : فما سئل عن شئ الخ لاشعاره بأن الترتيب مطلقا غير مراعى ، فجوابه أن هذا الاخبار من الراوي يتعلق بما وقع السؤال عنه وهو مطلق بالنسبة إلى حال السائل ، والمطلق لا يدل على أحد الخاصين بعينه ، فلا يبقى حجة في حال العمد ، كذا في الفتح . ولا يخفاك أن السؤال له صلى الله عليه وآله وسلم وقع من جماعة كما في حديث أسامة بن شريك عند الطحاوي وغيره : كان الاعراب يسألونه ، ولفظ حديثه عند أبي داود قال : خرجت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم حاجا فكان الناس يأتونه فمن قائل : يا رسول الله سعيت قبل أن